pregnancy

الأستاذ / عبد الرحمن معوض - معلم خبير لغة عربية وتربية إسلامية - السنبلاوين - دقهلية


بحث فى المجاز

 

في المجاز

المجاز مشتق من جاز الشيء يجوزه إذا تعدَّاه، سمَّوا به اللفظ الذي نُقِلَ من معناه الأصلي واستُعْمِل؛ ليدل على معنى غيره، مناسب له.

والمجاز: من أحسن الوسائل البيانية التي تهدي إليها الطبيعة؛ لإيضاح المعنى؛ إذ به يخرج المعنى متصفًا بصفة حسية، تكاد تعرضه على عيان السامع؛ لهذا شُغفت العرب باستعمال «المجاز» لميلها إلى الاتساع في الكلام، وإلى الدلالة على كثرة معاني الألفاظ، ولما فيه من الدقة في التعبير، فيحصل للنفس به سرور وأريحيَّة، ولأمر ما كثر في كلامهم، حتى أتوا فيه بكل معنًى رائق، وزينوا به خطبهم وأشعارهم.

وفي هذا الباب مباحث:

(١) المبحث الأول: في تعريف المجاز وأنواعه

المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة، مع قرينة٢ مانعة من إرادة المعنى الوضعي.
والعلاقة: هي المناسبة٣ بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، قد تكون «المشابهة» بين المعنيين، وقد تكون غيرها.

فإذا كانت العلاقة «المشابهة» فالمجاز «استعارة» وإلا فهو «مجاز مرسل».

والقرينة: وهي المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قد تكون لفظية، وقد تكون حالية، كما سيأتي.

وينقسم المجاز إلى أربعة أقسام: مجاز مفرد مرسل، ومجاز مفرد بالاستعارة (ويجريان في الكلمة) ومجاز مركب مرسل، ومجاز مركب بالاستعارة (ويجريان في الكلام)، ومتى أطلق المجاز انصرف إلى «المجاز اللغوي».

وأنواع المجاز كثيرة: أهمها «المجاز المرسل» وهو المقصود بالذات، وسيأتي مجاز يسمَّى «المجاز العقلي» ويجري في الإسناد.

(٢) المبحث الثاني: في المجاز اللغوي المفرد المرسل٤ وعلاقاته

المجاز المفرد المرسل: هو الكلمة المستعملة قصدًا في غير معناها الأصلي لملاحظة علاقة غير «المشابهة» مع قرينة دالة على عدم إرادة المعنى الوضعي.

وله علاقات كثيرة، أهمها:
  • (١)
    السَّببيَّة: وهي كون الشيء المنقول عنه سببًا، ومؤثرًا في غيره؛ وذلك فيما إذا ذكر لفظ السبب، وأريد منه المُسَبَّب، نحو: «رعت الماشية الغيث»؛ أي: النبات؛ لأن الغيث؛ أي «المطر»، سبب فيه.٥

    وقرينته «لفظية» وهي «رعَتْ»؛ لأن العلاقة تعتبر من جهة المعنى المنقول عنه.

    ونحو: «لفلان عليَّ يدٌ» تريد باليد النِّعمة؛ لأنها سبب فيها.

  • (٢)
    والمسببة: هي أن يكون المنقول عنه مسببًا وأثرًا لشيء آخر؛ وذلك فيما إذا ذُكِرَ لفظ المسبب، وأريد منه السَّبب، نحو: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا؛ أي: مطرًا يسبِّب الرزق.
  • (٣)
    والكلِّيَّة: هي كون الشيء متضمنًا للمقصود ولغيره؛ وذلك فيما إذا ذُكر لفظ الكل وأريد منه الجزء، نحو: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ؛ أي أناملهم والقرينة «حالية» وهي استحالة إدخال الأصبع كلِّه في الأذن.

    ونحو: «شربت ماء النيل» والمراد بعضه، بقرينة شربت.

  • (٤)
    والجزئية: هي كون المذكور ضمن شيء آخر؛ وذلك فيما إذا ذُكر لفظ الجزء، وأريد منه الكل، مثل قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.

    ونحو: «نشر الحاكم عيونه في المدينة»؛ أي الجواسيس، فالعيون مجاز مرسل، علاقته «الجزئية»؛ لأن كل عين جزء من جاسوسها، والقرينة الاستمالة.

  • (٥)

    واللازميَّة: هي كون الشيء يجب وجوده، عند وجود شيء آخر، نحو: «طلع الضوء»؛ أي الشمس، فالضوء مجاز مرسل، علاقته «اللازميَّة»؛ لأنه يوجد عند وجود الشمس، والمعتبر هنا اللزوم الخاص، وهو عدم الانفكاك.

  • (٦)

    والملزومية: هي كون الشيء يجب عند وجوده وجود شيء آخر، نحو: «ملأت الشمس المكان»؛ أي الضوء، فالشمس مجاز مرسل، علاقته «الملزومية»؛ لأنها متى وُجدت وُجد الضوء، والقرينة «ملأت».

  • (٧)
    والآليَّة: هي كون الشيء واسطة لإيصال أثر شيء إلى آخر؛ وذلك فيما إذا ذُكر اسم الآلة، وأريد الأثر الذي ينتج عنه، نحو: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ؛ أي ذكرًا حسنًا «فلسان» بمعنى «ذكر حسن» مجاز مرسل، علاقته «الآليَّة»؛ لأن اللِّسان آلة في الذكر الحسن.
  • (٨)

    والتقييد ثم الإطلاق: هو كون الشيء مقيدًا بقيد أو أكثر، نحو: «مِشْفر زيد مجروح» فإن المِشْفَر لغة: شفة البعير، ثم أُريد هنا مطلق شفة، فكان في هذا منقولًا عن المقيد إلى المطلق، وكان مجازًا مرسلًا علاقته التقييد، ثم نُقِل من مطلق شفة إلى شفة الإنسان، فكان مجازًا مرسلًا بمرتبتين، وكانت علاقته «التقييد والإطلاق».

  • (٩)
    والعموم: هو كون الشيء شاملًا لكثير، نحو قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ؛ أي «النبي» ، فالناس مجاز مرسل، علاقته العموم، ومثله قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ فإن المراد من الناس واحد، وهو «نعيم بن مسعود الأشجعي».
  • (١٠)

    والخصوص: هو كون اللفظ خاصًّا بشيء واحد، كإطلاق اسم الشخص على القبيلة، نحو: ربيعة وقريش.

  • (١١)
    واعتبار ما كان: هو النظر إلى الماضي؛ أي تسمية الشيء باسم ما كان عليه، نحو: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ؛ أي الذين كانوا يتامى، ثم بلغوا، فاليتامى: مجاز مرسل علاقته «اعتبار ما كان»، وهذا إذا جرينا على أن دلالة الصفة على الحاضر حقيقته، وعلى ما عداه مجاز.
  • (١٢)
    واعتبار ما يكون: هو النظر إلى المستقبل؛ وذلك فيما إذا أُطلق اسم الشيء على ما يئول إليه، كقوله تعالى: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا؛ أي عصيرًا يئول أمره إلى خمر؛ لأنه حال عصره لا يكون خمرًا، فالعلاقة هنا: «اعتبار ما يئول إليه».
    ونحو: وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا والمولود حين يُولد لا يكون فاجرًا ولا كافرًا، ولكنه قد يكون كذلك بعد الطفولة، فأطلق المولود الفاجر، وأريد به الرجل الفاجر، والعلاقة «اعتبار ما يكون».
  • (١٣)
    والحالية: هي كون الشيء حالًا في غيره؛ وذلك فيما إذا ذكر لفظ الحال وأريد المحل لما بينهما من الملازمة، نحو: فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فالمراد من «الرحمة» الجنة التي تحل فيها رحمة الله، ففيه مجاز مرسل، علاقته «الحالية».
    وكقوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ؛ أي لباسكم؛ لحلول الزينة فيه، فالزينة حال واللباس محلها، ونحو: وأرى بياضًا يظهر ويختفي، وأرى حركة تعلو وتسفل.
  • (١٤)
    والمحلية: هي كون الشيء يحمل فيه غيره؛ وذلك فيما إذا ذكر لفظ المحل وأريد به الحال فيه، كقوله تعالى: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ والمراد من يحل في النادي.
    وكقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ؛ أي ألسنتهم؛ لأن القول لا يكون عادة إلا بها.
  • (١٥)
    والبدلية: هي كون الشيء بدلًا عن شيء آخر، كقوله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ والمراد: الأداء.
  • (١٦)

    والمبدلية: هي كون الشيء مبدلًا منه شيء آخر، نحو: «أكلت دم زيد»؛ أي ديته، فالدم «مجاز مرسل» علاقته «المبدلية»؛ لأن الدم مبدل عنه «الدية».

  • (١٧)

    والمجاورة: هي كون الشيء بدلًا عن شيء آخر، نحو: «كلمت الجدار والعامود»؛ أي الجالس بجوارهما، فالجدار والعامود مجازان مرسلان علاقتهما «المجاورة».

  • (١٨)
    والتعلق الاشتقاقي: هو إقامة صيغة مقام أخرى؛ وذلك:
    • (أ)
      كإطلاق المصدر على اسم المفعول في قوله تعالى: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛ أي: مصنوعه.
    • (ب)
      وكإطلاق اسم الفاعل على المصدر في قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ؛ أي: تكذيب.
    • (جـ)
      وكإطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول في قوله: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ؛ أي: لا معصوم.
    • (د)
      وكإطلاق اسم المفعول على اسم الفاعل في قوله تعالى: حِجَابًا مَسْتُورًا؛ أي: ساترًا.

    والقرينة على مجازية ما تقدم هي ذكر ما يمنع إرادة المعنى الأصلي.

(٣) المبحث الثالث: في تعريف المجاز العقلي وعلاقاته٦

المجاز العقلي: هو إسناد الفعل أو ما في معناه «من اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر» إلى غير ما هو له في الظاهر من المتكلم؛ لعلاقة مع قرينة تمنع من أن يكون الإسناد إلى ما هو له.

(٣-١) أشهر علاقات المجاز العقلي

  • (١) 

    الإسناد إلى الزمان، نحو: «من سره زمن ساءته أزمان» أسند الإساءة والسرور إلى الزمن، وهو لم يفعلهما، بل كانا واقعين فيه على سبيل المجاز.

  • (٢) 
    الإسناد إلى المكان، نحو: وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فقد أسند الجري إلى الأنهار، وهي أمكنة للمياه، وليست جارية بل الجاري ماؤها.
  • (٣) 

    الإسناد إلى السبب، نحو:

    إني لمن معشر أفنى أوائلهم
     
    قيل الكماة: ألا أين المحامونا؟

    فقد نُسِب الإفناء إلى قول الشجعان: هل من مبارز؟ وليس ذلك القول بفاعل له، ومؤثر فيه، وإنما هو سبب فقط.

  • (٤) 

    الإسناد إلى المصدر، كقول أبي فراس الحمداني:

    سيذكرني قومي إذا جدَّ جدُّهم
     
    وفي الليلة الظلماء يُفتقَد البدر

    فقد أسند الجد إلى الجد — أي الاجتهاد — وهو ليس بفاعل له، بل فاعله الجاد، فأصله جد الجاد جَدًّا؛ أي: اجتهد اجتهادًا، فحُذف الفاعل الأصلي وهو الجاد، وأُسند الفعل إلى الجد.

  • (٥) 

    إسناد ما بُني للفاعل إلى المفعول، نحو: «سرني حديث الوامق» فقد استعمل اسم الفاعل، وهو الوامق؛ أي «المحب» بدل الموموق؛ أي: المحبوب، فإن المراد: سُررت بمحادثة المحبوب.

  • (٦) 

    إسناد ما بُني للمفعول إلى الفاعل، نحو: «جعلت بيني وبينك حجابًا مستورا»؛ أي سائرًا، فقد جعل الحجاب مستورًا، مع أنه هو الساتر.

تنبيهات

  • (أ) 

    كما يكون هذا المجاز في الإسناد يقع في النسبة الإضافية، نحو: «جري الأنهار، وغراب البين، ومكر الليل» فنسبة الجري إلى الأنهار مجاز علاقته المكانية، ونسبة البين إلى الغراب مجاز علاقته السببية، ونسبة المكر إلى الليل مجاز علاقته الزمانية.

  • (ب) 

    الفعل المبني للفاعل واسم الفاعل إذا أُسندا إلى المفعول فالعلاقة المفعولية، والفعل المبني للمجهول واسم المفعول إذا أُسندا إلى الفاعل فالعلاقة الفاعلية، واسم المفعول المستعمل في موضع اسم الفاعل مجاز علاقته الفاعلية، واسم الفاعل المستعمل في موضع اسم المفعول مجاز علاقته المفعولية.

  • (جـ) 

    هذا المجاز مادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وطريق من طرق البيان لا يستغني عنها واحد منهما.

تطبيق على أشهر علاقات المجاز العام

اذكر علاقات المجاز المرسل، فيما يلي:

(١) أبا المسك أرجو منك نصرًا على العدا
 
وآمل عزًّا يَخْضِب البيض بالدَّم٧
(٢) ويومًا يغيظ الحاسدين وحالة
 
أقيم الشقا فيها مقام التنعم٨

(٣) قال الله تعالى: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ.

(٤) ذهبنا إلى حديقة غناء.

(٥) بنى جمال عبد الناصر كثيرًا من المدارس بمصر.

(٦) تكاد عطاياه يُجَنُّ جنونها
 
إذا لم يعوِّذها برقية طالب٩

الإجابة

(١) عزًّا يخضب البيض بالدم.

إسناد خضب السيوف بالدم إلى ضمير العز غير حقيقي؛ لأن العز لا يخضب السيوف، ولكنه سبب القوة، وجمع الأبطال الذين يخضبون السيف بالدم، ففي العبارة مجاز عقلي، علاقته السببية.

(٢) ويومًا يغيظ الحاسدين.

إسناد غيظ الحاسدين إلى ضمير اليوم غير حقيقي، غير أن اليوم هو الزمان الذي يحصل فيه الغيظ، ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته الزمانية.

(٣) لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ.

المعنى: لا معصوم١٠ اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله، فاسم الفاعل أسند إلى المفعول، وهذا مجاز عقلي، علاقته المفعولية.

(٤) ذهبنا إلى حديقة غناء.

غناء مشتقة من الغن، والحديقة لا تغن، وإنما الذي يغن «عصافيرها» أو ذبابها، ففي الكلام مجاز عقلي، علاقته المكانية.

(٥) بنى جمال كثيرًا من المدارس.

جمال — رئيس الجمهورية العربية المتحدة — لم يبنِ بنفسه، ولكنه أمر، ففي الإسناد مجاز عقلي، علاقته السببية.

(٦) تكاد عطاياه يُجن جنونها. إسناد الفعل إلى المصدر مجاز عقلي، علاقته المصدرية.

نموذج آخر

بيِّن المجاز العقلي واذكر علاقته فيما يلي:
  • (١)

    أهلكنا الليل والنهار.

  • (٢)

    منزل عامر بنعم الله.

  • (٣)

    أنشأ وزير التربية عدة مدارس.

  • (٤)

    مشرب عذب.

  • (٥)

    هذا يوم عصيب.

  • (٦)

    ربحت تجارتهم.

(١) في قوله: «أهلكنا الليل والنهار» مجاز عقلي، علاقته السببية، فقد نسب الإهلاك إلى الليل والنهار، مع أن فاعله هو الله تعالى، وهذان سببان فيه.

(٢) في قوله: «منزل عامر بنعم الله» مجاز عقلي، علاقته المفعولية؛ إذ قد أسند اسم الفاعل إلى المفعول في المعنى.

(٣) في قوله: «أنشأ وزير التربية عدة مدارس» مجاز عقلي، علاقته السببية؛ إذ نسب الإنشاء إلى الوزير وهو السبب فقط.

(٤) في قوله: «مشرب عذب» نسب العذوبة إلى المكان، لا إلى الماء، مجاز؛ لعلاقته المكانية.

(٥) العصيبة والشديدة خطوب اليوم وحوادثه لا هو، فوصفه بذلك وصف للزمان، فهو مجاز، علاقته الزمانية.

(٦) أسند الربح إلى التجارة، والرابح هو صاحبها لا هي، فهو مجاز، علاقته المفعولية.

(٣-٢) بلاغة المجاز المرسل١١ والمجاز العقلي

إذا تأملت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنها في الغالب تؤدي المعنى المقصود بإيجاز، فإذا قلت: «هزم القائد الجيش» أو: «قرر المجلس كذا» كان ذلك أوجز من أن تقول: «هزم جنود القائد الجيش» أو: «قرر أهل المجلس كذا» ولا شك أن الإيجاز ضرب من ضروب البلاغة.

وهناك مظهر آخر للبلاغة في هذين المجازين، هو المهارة في تخير العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، بحيث يكون المجاز مصورًا للمعنى المقصود خير تصوير، كما في إطلاق العين على الجاسوس، والأذن على سريع التأثر بالوشاية، والخف والحافر على الجمال والخيل في المجاز المراسل. وكما في إسناد الشيء: إلى سببه، أو مكانه، أو زمانه، في المجاز العقلي.

فإن البلاغة توجب أن يختار السبب القوي، والمكان والزمان المختصان.

وإذا دققت النظر رأيت أن أغلب ضروب المجاز المرسل، والمجاز العقلي لا تخلو من مبالغة بديعة، ذات أثر في جعل المجاز رائعًا خلابًا، فإن إطلاق الكل على الجزء مبالغة، ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما إذا قلت: «فلان فم» تريد أنه شره، يلتقم كل شيء.

ونحوه: «فلان أنف» عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف، فتبالغ فتجعله كله أنفًا!

ومما يؤثر عن بعض الأدباء في وصف رجل أنافي١٢ قوله: «لست أدري: أهو في أنفه، أم أنفه فيه»؟

(٤) المبحث الرابع: في المجاز المفرد بالاستعارة

تمهيد

سبق أن التشبيه أول طريقة دلت عليها الطبيعة؛ لإيضاح أمر يجهله المخاطب، بذكر شيء آخر معروف عنده؛ ليقيسه عليه. وقد نتج من هذه النظرية نظرية أخرى في تراكب الكلام، ترى فيها ذكر المشبه به فقط، وتسمى هذه بالاستعارة، وقد جاءت هذه التراكب المشتملة على الاستعارة أبلغ من تراكيب التشبيه، وأشد وقعًا في نفس المخاطب؛ لأنه كلما كانت داعية إلى التحليق في سماء الخيال كان وقعها في النفس أشد، ومنزلتها في البلاغة أعلى.

وما يبتكره أمراء الكلام من أنواع صور الاستعارة البديعة، التي تأخذ بمجامع الأفئدة، وتملك على القارئ والسامع لبهما وعواطفهما «هو سر بلاغة الاستعارة».

فمن الصور المجملة التي عليها طابع الابتكار وروعة الجمال قول شاعر الحماسة:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
 
طاروا إليه زرافات ووحدانا

فإنه قد صور لك الشر بصورة حيوان مفترس مكشر عن أنيابه مما يملأ فؤادك رعبًا، ثم صور القوم الذين يعنيهم بصور طيور جوارح تطير إلى مصادمة الأعداء طيرانًا مما يستثير إعجابك بنجدتهم، ويدعوك إلى إكبار حميتهم وشجاعتهم.

ومنهم من يعمد إلى الصورة التي يرسمها فيفصل أجزاءها، ويبين لكل جزء مزيته الخاصة، كقول امرئ القيس في وصف الليل بالطول:

فقلت له لما تمطى بصلبه
 
وأردف أعجازًا وناء بكلكل١٣

فإنه لم يكتف بتمثيل الليل بصورة شخص طويل القامة، بل استوفى له جملة أركان الشخص؛ فاستعار صلبًا يتمطى به؛ إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله تمطيه، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازًا يردف بعضها بعضًا، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره فاستعار له كلكلًا ينوء به «أي يثقل به».

ولا يخفى عليك ما يتركه هذا التفصيل البديع في قلب سامعه من الأثر العظيم، والارتياح الجميل.

ومنهم من لا يكتفي بالصورة يرسمها، بل ينظر إلى ما يترتب على الشيء فيعقب تلك الصورة بأخرى أشد وأوقع، كقول أبي الطيب المتنبي:

رماني الدهر بالأرزاء حتى
 
فؤادي في غشاء من نبال١٤
فصرت إذا أصابتني سهام
 
تكسرت النصال على النصال١٥

فإنه لم يكتف بتصويره المصائب سهامًا في سرعة انصبابها، وشدة إيلامها، ولا بالمبالغة في وصف كثرتها بأن جعل منها غشاءً محيطًا بفؤاده، حتى جعل ذلك الغشاء من المتانة والكثافة بحيث إن تلك النصال مع استمرار انصبابها عليه لا تجد منفذًا إلى فؤاده؛ لأنها تتكسر على النصال التي سبقتها، فانظر إلى هذا التمثيل الرائع، وقل لي: هل رأيت تصويرًا أشد منه لتراكم المصائب والآلام؟

شكرا لتعليقك